معظم الدارسين اللهجة الحسانية كإحدى اللهجات العربية وهو تعريف صحيح

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

معظم الدارسين اللهجة الحسانية كإحدى اللهجات العربية وهو تعريف صحيح

مُساهمة  nourel9amar في الخميس ديسمبر 31, 2009 9:54 am

نواصل في هذا المقال تتبع بعض الخصائص المميزة للهجة الحسانية ونحاول هنا بيان بعض أوجه التباين بين اللهجة الحسانية واللغة العربية الفصحى تاركين تعليل هذا الاختلاف وتتبع مسار تطور البنى النحوية والتركبية والصوتية والدلالية في اللهجة الحسانية لدراسات مستقبلية نتمنى أن يتحفنا بها المتخصصون في علم اللسانيات من المهتمين بهذه اللهجة الغنية بتراثها الفكري والحاملة لرؤى وتصورات ومشاعر أجيال عدة في الصحراء الغربية والشقيقة موريتانيا وماجاورهما.

بين اللهجة الحسانية واللغة العربية الفصحى:

يعرف معظم الدارسين اللهجة الحسانية كإحدى اللهجات العربية وهو تعريف صحيح في عمومه وقد بينا في الجزء الثاني من هذه المقالات أن اللهجة الحسانية ذات جذور متعددة عربية وبربرية وزنجية وأوروبية وغيرها كما تتميز بخائص لغوية مميزة لها، و على الرغم من المحتوى الهائل من المفردات والتراكيب اللغوية العربية العديدة في اللهجة الحسانية فإن هذه التراكيب والصيغ اللغوية قد تتطابق مع أوصولها العربية وقد تتغير بل وتكتسب خصائص نحوية ودلالية مغايرة لجذورها العربية مما يعطي للحسانية خصائص وتفرد تحتاج إلى دراسة معمقة – ليس هذا المقال بلا شك بمجال كافي لإفاءها حقها- وقد تكون هذه المقالات دعوة للتفكير فيها.

ومن البداهة أن أوجه التشابه بين اللغة العربية واللهجة الحسانية أكثر و أوضح من أن نتوقف عندها ولذا فإننا نتوقف هنا عند صور من أوجه التباين بينهما:

1. تسكين أوائل الكلمات:

يبدأ عدد كبير من الكلمات الحسانية بحرف ساكن حتى لو كانت أوصولها عربية مثل: محمد(بتسكين الميم الأولى) وقد يكتبها البعض "أمحمد" تمييزاً لها عن اسم محمد بضم الميم الأولى، ومثل "طبل" بتسكين الطاء في حين أن كلمة "طبل" بطاء مفتوحة كما هو معلوم ومثل كلمة "كراع" بتسكين الكاف أيضاً والكلمة فصيحة وتلفظ بضم الكاف لاتسكينها، جاء في الحديث الشريف "‏لو أهديت لي ذراع لقبلت ولو دعيت إلى ‏ ‏كراع ‏ ‏لأجبت".

والعرب لايسكنون أوئل الكلمات أي أنهم لايبدأون الكلمة بحرف ساكن بل تظهر على الحرف الأول أحدى الحركات المعروفة (الفتحة أو الضمة أو الكسرة)، حتى أن الشيخ محمد البشير الأبراهيمي كان يكتب كلمة "فرنسا" هكذا "إفرنسا" لأن اسم فرنسا يبدأ بحرف ساكن في اللغة الفرنسية.

2. تسكين الحرف الذي يلي لام التعريف:

وهو شبيه بسابقه غير أن الحرف الساكن هنا يقع بعد أداة التعريف ويلاحظ هنا أن الحرف المشدد بعد اللام الشمسية يسكن ويفقد خاصية التشديد بخلاف اللغة العربية الفصحى حيث يكون الحرف الموالي لأداة التعريف متحركاً (يحمل أحدى الحركات) ويكون الحرف الموالي للام الشمسية مشدد دائماً.

ففي اللهجة الحسانية تلفظ كلمة "السحاب" و"التمر" و"الشهر" بتسكين الحاء و التاء والشين على التوالي دون تشديد هذه الحروف بينما تكون كلها مفتوحة ومشددة في أصلها العربي كما هو معلوم.

3. أختلاف تصريف الفعل مع بعض الضمائر:

قد يكون اختلاف اللفظ فرقاً سهلاً غير أن اختلاف تصريف الفعل مع الضمائر هو أختلاف بين وعميق بلاريب بين اللهجة الحسانية واللغة العربية المعروفة لنا.

فإذا كنا نقول في اللغة العربية: أنا أكتب وأنت تكتبين وهم يكتبون.

فإننا نقول في اللهجة الحسانية الأفعال نفسها كما يلي: أنا نكتب وأنت تكتبي وهوما (هم) يكتبو.
وقس على ذلك جميع الأفعال.

4.أختلاف صيغ الجمع:

توجد في اللهجة الحسانية صيغاً للجمع تختلف بصورة كاملة عن صيغ الجمع في اللغة العربية للمفردة ذاتها فتجمع كلمة امرأة على نساء ونسوة أما في الحسانية فجمع امرأة هو "عليات" (بتسكين العين أيضاً)، وتجمع كلمة أم على صيغة "أمات" للإنسان والحيوان بخلاف اللغة العربية حيث يكون جمع أم للإنسان هو أمهات. ورد في الحديث الشريف "الجنة تحت أقدام الأمهات"، ويجمع طفل في الفصحى على صيغة أطفال بينما في الحسانية تجمع كلمة طفل على صيغة "تركة" ولعل الكلمة هنا مشتق من كلمة "التركة" أي ما يتركه ويخلفه الإنسان بعد موته وتجمع كلمة كأس على صيغة "كيسان" بخلاف الشائع من لغة العرف حيث تجمع على صيغة كؤوس مثل فأس وفؤوس ورأس ورؤوس وغير هذا كثير.

5.أختلاف دلالة الكلمة الواحدة في العربية والحسانية:

والمقصود هنا أن ترد الكلمة ذاتها بمعنيين مختلفين تماماً بحيث لوسمعها العربي الذي لايعرف الحسانية لفهم منها غير مايفهم العارف باللهجة الحسانية ولعل هذا ما يشكل صعوبة اضافية على اخواننا العرب في فهم اللهجة الحسانية.

مثل كلمة "غليظ" التي تعني في اللغة العربية خشن أو فظ أو جلف قال تعالى مخاطباً نبيه الكريم "فبما رحمة من الله لنت لهم ولوكنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك" والكلمة بجميع معانيها تحمل معنى سلبياً بينما نجد في اللهجة الحسانية أن كلمة "غليظ" تحمل معنى ايجابياً فهي عبارة مديح فتقول" فلان رجل غليظ" أي أنه مترفع عن الدنايا وفي الشعر الحساني يقول القائل:

لحق للي ماهو كهان ****** من لعرب لغلاظ أهل الشأن

والمعنى التقريب لهذا البيت هو :
أبلغ من ليس بكاذب من العرب الأباة ذوي الشأن والمكانة

وكذلك كلمة "السحاب" فهي في اللغة العربية مرادفة لكلمة "الغيوم" أما في الحسانية فتعني المطرنفسه فنقول "جات السحاب" أي جاء أو نزل المطر.

ومن الأمثلة في هذا السياق كلمة "بائقة" وتعني المصيبة أو الكارثة والشاهد قول الشاعر محمود سامي البارودي متذكراً بلاده بعد أن نفي إلى جزيرة سرنديب (سريلانكا الحالية):

ياروضة النيل لامستك بائقة ****** ولاعدتك سماء ذات أغداق

وتوجد بهذا المعنى كلمة "بايقة" حيث تلفظ القاف هنا مثل الجيم المصرية وللكلمة في الحسانية معنى أخر هو "كثير" فنقول "بايقة من السكر" أي كثير من السكر وبايقة من الخلق" كثيرمن الناس.

ومن المناسب هنا الإشارة إلى خصيصة أخرى من خصائص اللهجة الحسانية هي قلب همزة الوسط ياءً كما في المثال السابق فيقال "ذيب" في كلمة "ذئب" و" بير" في "بئر" و"مايل" في كلمة "مائل" ...الخ و لهذا مايماثله في بعض اللهجات العربية.

وكذلك كلمات من قبيل" القعود" فهي في العربية ابن الناقة (صغير) وفي الحسانية تعني الفحل (الكبير) و"العيش" وهو عند العرب يعني "الخبز" وفي الحسانية يعني " العصيدة" و"الساحل" أي ساحل أو شاطئ البحر ومنه مصطلح "الساحل" المستعمل في الجغرافية السياسية المعاصرة والذي يعني دول أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى على أعتبار أن الصحراء الكبرى بحر من الرمال وفي الحسانية كلمة "الساحل" تعني "الغرب" الجهة الجغرافية المعروفة وكلمة "الزمان" أي الوقت بينما في الحسانية كلمة "زمان" تعني "قبيلة" وهي كلمة متقادمة قل استعمالها وإن كانت تتكرر في الشعر الحساني القديم.

6. تصغير الكلمات:

وتصغير الكلمات يحمل دلالة التحبب والتلطف وهو معروف في اللغة العربية ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:

وغاب قمير كنت أرجو غيابه ***** وروَح رعيان ونوَم سمر

وكذلك البيت الشائع عندنا لعبد الرحيم البرعي:

أهاب سحيراً بالفراق مهيب ****** فلباه وجداً في الحشا ولهيب

ولكن التصغير نادر الإستعمال في اللغة العربية وتكرر كتب النحو الأمثلة ذاتها تقريباً أما في اللهجة الحسانية فإن التصغير شائع وواسع الإستعمال مما يمثل إثراءً للقاموس الحساني من خلال مضاعفة عدد المفردات ويلعب هنا دوراً تقييماً يبين حجم الجسم المصغر فنقول"واد" ونصغره على صيغة "أودي" فيفهم السامع أن المقصود وادي صغير أو ضيق المجرى وقس على ذلك.

7. قلب القاف غيناً والعكس:

وهو أمر شائع في الحسانية فنجد هذا الخطأ حتى في النصوص المكتوبة دون مراجعة فيقولون "غرير العين" في "قرير العين" والبلغان" في كلمة "البلقان" و"القروب" في كلمة "الغروب"
وغيرهذا كثيروهذه الظاهرة اللغوية لا تنفرد بها اللهجة الحسانية بل توجد في بعض البلدان العربية كبعض مناطق اليمن والسودان.

8. أختلاف لفظ بعض أسماء العلم الأجنبية:

بعض أسماء العلم الأجنبية تلفظ في اللهجة الحسانية بصورة تخالف ماهو مستعمل في اللغة العربية المعاصرة وأذكر هنا مثلاً أن العرب والمشارقة منهم على الأخص يلفظون ويكتبون كلمة "أسبانيا" هكذا في حين يلفظها الصحراويون "إسبانيا" وكذلك "أفريقيا" والتي تلفظ عندنا وتكتب "إفريقيا".

وأذكر أنني كنت قد كتبت هاتين الكلمتين كما يكتبهما عرب المشرق في مقالة حول تاريخ الصحراء الغربية نشرت في موقع "صدى الصحراء" فكتب إلي الأخ الفاضل مصطفى الكتاب متسائلاً عن دليل صحة ما يكتبه العرب وخطأ مانكتب نحن، فلم أجد الدليل وعدت إلى كتابتهما كما تلفظان في اللهجة الحسانية.

وهكذا نرى من خلال الأمثلة المعروضة تميز اللهجة الحسانية ببنى تختلف عن اللغة العربية مما يمثل حالة جديرة بالدراسة والتأمل.
اختكم حانة صحراوية


ا
avatar
nourel9amar

عدد الرسائل : 115
العمر : 76
تاريخ التسجيل : 13/11/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: معظم الدارسين اللهجة الحسانية كإحدى اللهجات العربية وهو تعريف صحيح

مُساهمة  صحراوي وأفتخر في الخميس ديسمبر 31, 2009 2:01 pm

مشكورة الأخت نور القمر على الموضوع الرائع جدا جدا .. ولو اني لم أقرأ جزءه الأول .. لكنني أعجبت بهذا الجزء كونه رحلة معمقة في لهجتنا الجميلة ..
دمتِ رائدة في كل مواضيعك .. أتمنى لك التوفيق وعام سعيد ...
تقبلي مروري .. صحراوي وأفتخر
avatar
صحراوي وأفتخر
الادارة العامة
الادارة  العامة

عدد الرسائل : 156
العمر : 38
تاريخ التسجيل : 26/01/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى